حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
272
التمييز
اللّه بالأخيار . ومن خلق التوحيد حبّ الخلوة ، وإن كان في مخالطة النّاس خير فتركها أسلم . قال أبو الدرادء رضي اللّه عنه : ما أصبحت من ليلة لم يرمني النّاس بداهية إلّا رأيت أن عليّ من اللّه نعمة . / 128 ب / وقال ابن هلال « 1 » : لم أر من النّاس إلّا بالضّلال يختال ، وبمكره على النّاس يحتال . وقال أبو حامد الغزاليّ : لم أر أبعث على الإخلاص من الخلوة ، وقد قال اللّه تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ « 2 » . من أراد أن يسلم دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل النّاس ، فإنّ هذا زمان وحشة العاقل ، من اختار الوحدة ومحى اسمه عن لسان القوم واستقبل الجدار حتّى يموت . وجاء رجل إلى زيارة أبي بكر الورّاق « 3 » فلما أراد أن يرجع قال له : أوصني . قال : وجدت خير الدّنيا والآخرة في الخلوة والقلّة ، وشرهما في الكثرة والاختلاط . [ الخلوة اسكن للفؤاد وأبعد من الفساد وأعود للمعاد ] « 4 » . وروي أن النووي « 5 » كان يقول : واللّه العظيم الذي لا إله إلّا هو لقد حلّت العزلة في هذا الزمان ، فإن كان العزلة حلت في زمانه ، ففي زماننا لقد وجبت . إلّا أنّ الأنس بالنّاس مزيد لأهله ومراد ممّن كانت حاجات النّاس تقضى به . وأما مخالطة غيرهم فأنّها تضعف العزم الذي كان قويّا في أعمال البرّ ، وتحلّ العقد المبرم الذي كان استوطأه العبد في الخلوة لقلّة المتعاونين على البرّ والتقوى وكثرة المتعاونين على الاثم والعدوان . والخلوة تفرّغ القلب / 129 أ / من الخلق وتجمع الهمّ بأمر الخالق وتقوى
--> ( 1 ) هو إبراهيم بن هلال الحراني ( أبو إسحاق الصحابي ) ( ت 384 ه / 994 م ) ، أديب . عالم ، غلبت عليه صناعة الكتابة والبلاغة والشعر ، وعالم في الرياضيات ، له عدد من المؤلفات . معجم الأدباء 2 / 20 - 94 ؛ يتيمة الدهر 2 / 241 - 311 ؛ وفيات الأعيان 1 / 52 - 54 . ( 2 ) سورة البينة : آية ( 5 ) . ( 3 ) هو أبو بكر محمد بن عمر الترمذي الحكيم ( ت 240 ه / 854 م ) زاهد من مشايخ خراسان ، صنف في الزهد والرياضيات والمعاملات . طبقات الصوفية 221 - 227 ؛ طبقات الأولياء ، ص 274 - 275 ، حلية الأولياء 10 / 235 - 237 ؛ صفة الصفوة 4 / 129 . ( 4 ) زيادة من أسعد أفندي . ( 5 ) هو محيي الدين بن شرف بن مري النووي ( ت 677 ه / 1278 م ) ولد بنوى من اعمال حوران ، فقيه ، محدث ، حافظ لغوي ، مشارك في بعض العلوم ، ولي مشيخة دار الحديث ، توفي بنوى . طبقات الشافعية للسبكي 8 / 395 - 400 ؛ البداية والنهاية 13 / 378 - 279 ؛ تذكرة الحفاظ 4 / 1470 - 1474 ؛ شذرات الذهب 5 / 354 - 356 .